سيد محمد طنطاوي

100

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقرأ حمزة والكسائي : خاشعا أبصارهم . . « 1 » . وقوله : * ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ) * أي : يخرجون من القبور ، وعيونهم ذليلة من شدة الهول ، وأجسادهم تملأ الآفاق ، حتى لكأنهم جراد منتشر ، قد سد الجهات . واستتر بعضه ببعض . فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيههم بالجراد في الكثرة والتموج ، والاكتظاظ والانتشار في الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر . وقوله : * ( مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ) * أي : مسرعين نحوه ، وقد مدوا أعناقهم إلى الإمام ، مأخوذ من الإهطاع ، وهو الإسراع في المشي مع مد العنق إلى الإمام . يقال : أهطع فلان في جريه ، إذا أسرع فيه من الخوف ، فهو مهطع . * ( يَقُولُ الْكافِرُونَ ) * وقد رأوا من أهوال يوم القيامة ما يدهشهم : * ( هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ) * أي : يقولون هذا يوم صعب شديد ، بسبب ما يعاينون من أهواله ويتوقعون فيه من سوء العاقبة . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد وصفت أحوال الكافرين في هذا اليوم ، وصفا تقشعر من هوله الأبدان . . فهم أذلاء ضعفاء ينظرون إلى ما يحيط بهم نظرة الخائف المفتضح ، وهم في حالة خروجهم من قبورهم كأنهم الجراد المنتشر ، في الكثرة والتموج والاضطراب ، وهم يسرعون نحو الداعي بذعر دون أن يلووا على شيء ، ودون أن يكون في إمكانهم المخالفة أو التأخر عن دعوته . ثم هم بعد ذلك يقولون على سبيل التحسر والتفجع : هذا يوم شديد الصعوبة والعسر . ثم عرضت السورة بعد ذلك جانبا من مصارع الغابرين ، لعل في هذا العرض ما يروعهم عن الكفر والجحود ، وما يحملهم على انتهاج طريق الحق والهدى ، فقال - تعالى - : [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 9 إلى 17 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعا رَبَّه أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وحَمَلْناه عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ودُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ( 16 ) ولَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 )

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 129 .